ابن قتيبة الدينوري

51

الإمامة والسياسة ( بيروت )

ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان ، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود ، وكانوا عشرة ، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمار ، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده ، فمضى حتى جاء دار عثمان ، فاستأذن عليه ، فأذن له في يوم شات ، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية ، فدفع إليه الكتاب فقرأه ، فقال له : أنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : نعم ، قال : ومن كان معك ؟ قال : كان معي نفر تفرقوا فرقا [ ( 1 ) ] منك ، قال : من هم ؟ قال : لا أخبرك بهم . قال : فلم اجترأت عليّ من بينهم ؟ فقال مروان : يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود ( يعني عمارا ) قد جرأ عليك الناس ، وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه ، قال عثمان : أضربوه ، فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه ، فغشي عليه ، فجروه حتى طرحوه على باب الدار ، فأمرت به أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام ، فأدخل منزلها ، 55 وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم ، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر ، عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة ، فقال : أما واللَّه لئن مات عمار من ضربه هذا لأقتلن به رجلا عظيما من بني أمية ، فقال عثمان : لست هناك [ ( 2 ) ] . قال : ثم خرج عثمان إلى المسجد ، فإذا هو بعلي وهو شاك معصوب الرأس ، فقال له عثمان : واللَّه يا أبا الحسن ما أدري : أشتهي موتك أم أشتهي حياتك ؟ فو اللَّه لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك ، لأني لا أجد منك خلفا ، ولئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخذك سلما وعضدا ، ويعدك كهفا وملجأ ، لا يمنعني منه إلا مكانه منك ، ومكانك منه ، فأنا منك كالابن العاق من أبيه : إن مات فجعه ، وإن عاش عقه . فإما سلم فنسالم ، وإما حرب فنحارب ، فلا تجعلني بين السماء والأرض ، فإنك واللَّه إن قتلتني لا تجد مني خلفا ، ولئن قتلتك لا أجد منك خلفا ، ولن يلي أمر هذه الأمة بادئ فتنة . فقال علي : إن فيما تكلمت به لجوابا ، ولكني عن جوابك مشغول بوجعي . فأنا أقول كما قال العبد الصالح : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [ يوسف : 18 ] ، قال مروان : إنا واللَّه إذا لنكسرن رماحنا ، ولنقطعن سيوفنا ، ولا يكون في هذا الأمر خير لمن

--> [ ( 1 ) ] فرقا بفتح أوله وثانية : خوفا . [ ( 2 ) ] فيما ذكره المسعودي وابن كثير من أسباب النقمة على عثمان هو ما ناله عمار من الفتن والضرب .